سيد محمد طنطاوي

490

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

التهويل ، ثم أعادت اللفظ بذاته بدون إضمار له زيادة في تعظيم أمره ، ثم جعلت الخطاب لكل من يصلح له ، ثم شبهت الناس فيه تشبيها تقشعر منه الجلود ، ثم وصفت الجبال - وهي المعروفة بصلابتها ورسوخها - بأنها ستكون في هذا اليوم كالصوف المتناثر الممزق . ثم بين - سبحانه - أحوال السعداء والأشقياء في هذا اليوم فقال : * ( فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُه ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ) * . أي : فأما من ثقلت موازين حسناته . ورجحت أعماله الصالحة على غيرها . فهو في عيشة مرضية . أو في عيشة ذات رضا من صاحبها ، لأنها عيشة هنية كريمة . * ( وأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُه ) * أي : خفت موازين حسناته ، وثقلت موازين سيئاته ، * ( فَأُمُّه هاوِيَةٌ ) * أي : فمرجعه ومأواه الذي يأوى إليه ، نار سحيقة يهوى إليها بدون رحمة أو شفقة ، بسبب كفره وفسوقه . فالمراد بالأم هنا : المرجع والمأوى ، وبالهاوية : النار التي يسقط فيها ، وسميت النار بذلك . لشدة عمقها . وسمى المأوى أمّا ، لأن الإنسان يأوى إليه كما يأوى ويلجأ إلى أمه . ويرى بعضهم أن المراد بأمه هنا الحقيقة ، لأن العرب يكنون عن حال المرء بحال أمه في الخير وفي الشر ، لشدة محبتها له . قال صاحب الكشاف : قوله : * ( فَأُمُّه هاوِيَةٌ ) * من قولهم إذا دعوا على الرجل بالهلكة ، هوت أمه ، لأنه إذا هوى - أي سقط وهلك . . فقد هوت أمه ثكلا وحزنا . . . فكأنه قيل : وأما من خفت موازينه فقد هلك . وقيل : « هاوية » من أسماء النار ، وكأنها النار العميقة لهوى أهل النار فيها مهوى بعيدا ، كما روى : « يهوى فيها سبعين خريفا » ، أي : فمأواه النار . وقيل للمأوى : أم ، على التشبيه ، لأن الأم مأوى الولد ومفزعه . . . « 1 » . وقال بعض العلماء : واعلم أنه يجب علينا أن نؤمن بما ذكره اللَّه - تعالى - من الميزان في هذه الآية وما يشبهها . وليس علينا أن نبحث فيما وراء ذلك مما لم يثبت عن اللَّه - تعالى - ورسوله صلى اللَّه عليه وسلم ونكل ما وراء ذلك إلى علام الغيوب ، على أن وزن الأعمال ، أو وزن صحائفها أو وزن الصور الجميلة ، كل ذلك أمر ممكن ، لا يترتب على فرض وقوعه محال ، فوقوع شيء من ذلك ، لا يعجز اللَّه - تعالى - ولا يقف أمام قدرته الغالبة . . . « 2 » .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 790 . ( 2 ) تفسير جزء عم ص 302 لفضيلة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ( يرحمه اللَّه ) .